حسن بن موسى القادري

149

شرح حكم الشيخ الأكبر

ومقتضيات النفس ، ويسمّى الموت الإرادي ، وهو الحاصل للسالكين قبل موتهم الطبيعي بالإعراض عما ذكر « 1 » . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من أراد أن ينظر إلى ميت يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي اللّه عنه « 2 » » . وقال أيضا : « موتوا » أي : بالموت الإرادي « قبل أن تموت « 3 » » أي : بالموت الطبيعي ، فجعل صلى اللّه عليه وسلم الإعراض المذكور موتا ، ولأجل أن الأعراض عن الدنيا وطيباتها ، والامتناع من مقتضيات النفس ولذاتها موت ينكشف للسالك الذي يموت ما ينكشف للميت من معرفة الغيوبات ، ومعرفة الأمر على ما هو عليه ، فما لم يمت السالك بالخروج عن الدنيا ، وتوابعها وعن النفس وشهواتها كالميت إذا مات لا يبقى له شيء مما ذكر ، وتنقطع عنه علاقته بالكلية لا ينكشف له ما ينكشف للموتى ، ولا يصعد مصاعد الملكوت أي : عالم الغيب فكيف برؤية اللّه ؟ فلا يراه أبدا ، ويحصل من هذا الموت الحياة الأبدية والولادة الثانية .

--> ( 1 ) قلت : ومنه الموت الكلي : ومعناه الفناء في الحضرات الأربعة في ذات المتصف ، وهذا عند الإطلاق يطلق عند المتصف مع مجموع الحضرات الموت ؛ لأن الموت الأول نقلة وهذا الموت الكلى هو من حياة إلى حياة ، فانتقل الشاهد بمجموع أوصافه من حياة التقييد إلى حياة الإطلاق لأنها تباين النقلة المعهودة المسماة بالموت في لسان العموم ، وهذه نقلة تسمى فناء وهو البقاء الحقيقي بفناء الأشياء كلها ، ولهذا قال : كلي لأن الكلّي لفظ ينطلق على المجموع فهذا كله في حال هذه النقلة الكلية يفنى أعيانها المتفردة وتبقى عينا واحدة لذات واحدة تدرك صرف الإدراك الذي لا حجاب فيه وهذه صفة الإطلاق ، ومنها يأخذ في التقييد ويعود الحضرات في حقه كالحال الأول عند الاتصاف لكنه ما دام في مقام الإطلاق لا ينطلق عليه المذكور إلى انقضاء آن آخر ، فكأن الحضرات جمعت لهذا الشاهد في حال قو - له جزئ وشهد فيها صورة الموت في الظاهر وصورة التمايز العلمي في الأولية وصورة الكمال في الباطن وصورة الإقرار في الآخر عند نقلة الكاملين من الباطن ، فلما اتصف بها فنيت أعيانها في ذاته فانطلق عليها الموت لزوال عيانها وعلى الشاهد ففناء هذه الأعيان هو الكلىّ المعبرّ عنه ، ومنه يقول الكامل : قد أعطيت سر الحياة من قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] ، فلما ذكر الكل وجب أن يكون فناء أعيانها الظاهرة وبقاء ذاته الحقيقية ، فعند اتصاف الشاهد بهذا الاسم يطلق على نفسه التسمية بالسر المذكور لأنه فني كل شيء في ذاته . وانظر : شرح المشاهد ( بتحقيقنا ) . ( 2 ) ذكره المقري في نفح الطيب ( 5 / 164 ) . ( 3 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 1666 ) .